أبي منصور الماتريدي

475

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

في إنشاء عدوه وهو عالم أنه يسعى في معاداته ؟ ! . فجوابه - والله أعلم - : أن الذي يشرع في الأمر الذي علم أن إتمامه يضره ولا ينفعه ، إنما لحقته المذمة ؛ لما سعى في إضرار نفسه ، فأما الذي أعرض عن إطاعة الله - تعالى - وكفر به فإنما اكتسب الضرر على نفسه خاصة بأن أوقعها في المهالك ، ولم يضر غيره ؛ لذلك لم تلحقه المذمة في خلقه وإنشائه ، وفي هذا دلالة أن الله - تعالى - حيث خلق الخلق لم يخلقهم لمنفعة له ولا لمضرة تلحقه من جهتهم ؛ بل منافعهم ومضارهم راجعة إلى أنفسهم ، والله أعلم . قوله تعالى : [ سورة الانشقاق ( 84 ) : الآيات 16 إلى 25 ] فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ ( 16 ) وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ ( 17 ) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ ( 18 ) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ ( 19 ) فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 20 ) وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ ( 21 ) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ ( 22 ) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ ( 23 ) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 24 ) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ( 25 ) وقوله - تعالى - : فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ منهم من حمل قوله : فَلا على دفع منازعة وقعت فيما بين القوم ؛ على ما نذكر في سورة لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ [ إن شاء الله ] « 1 » ، وإنما القسم قوله - عزّ وجل - : أُقْسِمُ . ومنهم من جعل « لا » بحق الصلة . فإن كان على الوجه الأول ، لم يجز حذف « لا » من الكلام ؛ بل حقه أن يقرأ فَلا أُقْسِمُ . وإن كان بحق الصلة استقام حذفه ، كما قرأ بعض القراء : فَلا . أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ « 2 » . ثم الشفق هو أثر النهار ، فجائز أن يكون القسم واقعا على النهار كله ، وإن كان ذكر طرفا منه . والثاني : أن الشفق يجتمع فيه أثر النهار - وهو النور الذي فيه - وأثر الشمس - وهو الحمرة التي تكون فيه - فيكون القسم واقعا على النهار بما فيه ، كما كان واقعا على الليل بما فيه ؛ لقوله : وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ ؛ فيكون فيه حجة لقول أبي حنيفة [ - رضي الله عنه - ] « 3 » : إن وقت العشاء لا يدخل حتى يغيب البياض ؛ لأن وقتها يدخل بغيبوبة الشفق ، والشفق وجدناه مشتملا على البياض والحمرة ، فما لم يتم الغيبوبة لم يهجم وقتها ؛ ألا

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) كذا في أ . ولعلها : فلا أقسم ، أو : أقسم . ( 3 ) في ب : رحمه الله .